الطمع والكذب في المال .
حينما يكون المال هو الهدف : تباع النفوس بالفلوس ؟
من مقاعد المقاهي الدافئة، ومجالس الأنس المليئة بالضحكات والذكريات، إلى الممرات الباردة والمهيبة في أروقة المحاكم ومراكز الشرطة... هكذا تتحول العلاقات بين الأقارب في غمضة عين، حين يدخل الطمع والكذب من باب التجارة والمال. تنعدم الثقة فجأة بين النفوس، ويحل مكانها الوهم والتوجس والشك المتبادل. لقد شاهدتُ بأم عيني أُناساً جمعتهم صلة الدم والرحم لسنوات، فرّقهم المال وجعلهم شتاتاً، والسبب أن الجشع أعماهم عن رؤية الحق والمروءة؛ فصار كل واحدٍ منهم يبحث عن الربح الأكبر لنفسه، ويطمع في نصيب غيره، ولا يثق بشريكه الذي قضى معه عمره. وبدلاً من لغة الود، أصبح يحس في قرارة نفسه بأنه مَغبون ويأخذ القليل، بينما يرى بعين الشك أن الطرف الآخر يلتهم النصيب الأكبر دون وجه حق.
وفي لمحة بصر، تتبدل الأحوال وتنكشف المعادن؛ فمن بعد دفء الاجتماع والترابط تشتتت الصفوف وانفضت المجالس، ومن بعد القرب الجسدي والروحي والأخوة الصادقة صاروا أنداداً يتنافسون في الخصومة، ومن بعد الصداقة الخالصة التي ظنوا أنها لن تزول، تحولوا إلى أعداء أشداء يتربص كل منهم بالآخر. فلا بارك الله في مالٍ يملك القدرة على تغيير النفوس، وسلب راحة البال، وبذر بذور الفرقة والعداوة في القلوب والأرحام.
لذا، إليك نصيحة محب صاغتها الأيام والتجارب المريرة، واكتبها بمداد من وعي قبل أن تُقدم على أي خطوة: لا تجعل في نفسك شرطاً أو عتباً بالبداية تخفيه وتخجل من بوحه وقوله لشريكك، ظناً منك أن الحياء سيحمي العلاقة. إن الكلمات المحبوسة في البدايات لا تموت، بل تتحول إلى هواجس مظلمة تبيت وتصحو في قلبك، ويصبح ويمسي الشيطان يغذيها يوماً بعد يوم، وينفخ في رمادها صامتاً، حتى تأتي اللحظة التي تنفجر فيها تلك الصداقة وتتحول إلى خصومة حارقة ونهايات مؤلمة تعصف بكل ما بنيتموه.
فبعد أن كانت تجمعهم مجالس الأنس، وأحاديث الكافيهات الودية، أصبحت وجهتهم وجلساتهم صاخبة في المحاكم والشرط. نعوذ بالله من تقلب الأحوال، وتغير الأصحاب، وضياع الأمانة والمروءة.
تعليقات
إرسال تعليق